Marwan's Blog

14 يوليو، 2009

أوفقير تكتب مصير الدستوريين!

كان السجن، وما زال، تقليدًا راسخًا ومعتمدًا من قِبل القصر، ويدخل ضمن أقصى أنواع العقاب الملكي على الأطلاق. للإقتصاص من أيّ معارض، يتم أخفاؤهُ عن الأنظار كيّ يمحى أسمهُ ويزول من الأذهان، ويترك كيّ يموت بمفرده موتًا بطيئًا. إنهُ أشبهُ ما يكون بالدفن الحيّ، ومجرد التطرق إلى ذكره جريمةٌ لا تغتفر تجرّ على صاحبها المصائب والويّلات.

السجينة، ص220، دار الجديد 2006.

01 يوليو، 2009

عيدٌ؟! بأيّ حالٍ عدت يا عيدُ؟

تجاوزًا لشرعية تسميته بالعيد، أردد بيّتًا لأبي الطيب المتنبي في قصيدته الذي أقذع فيها بكافور، تلك القصيدة التي تردد كلّ عيدٍ خلال كل القرون التي تلت قولها.

***

يوم الخميس الماضي، كان هو اليوم الذي يوافق يوم ميلادي. قضيته وحيدًا في استراحة عمٍ لي في الرياض. أستيقظت ظهر ذلك اليوم، ثم ذهبت بأخي الأصغر إلى بيت خالتي، ومن هناك ذهبت إلى مقهىً في وسط المدينة، كنت ألتقيت به، رفقة ابن عمي، المدون أحمد العمران (Saudi jeans). جلست فيه قرابة الساعتين. مررت فيها على عدّت مواقع: تويتر، فيس بوك، بريدي الالكتروني. رددت على تهانيَّ لي بيومٍ سعيد. أرسلت صورًا طلبها منيّ أشخاصٌ لمناقشة الدكتوراه التي حضرتها وكانت كاميرتي بمعيتيّ، وما أن أنتهى الحدث حتى توافدوا عليَّ طالبين مني أن أرسل لهم الصور على البريد الإلكتروني.

بعدما أرهقني الجلوس قررت أن أذهب لإحدى المكتبات و"أكافئ" نفسي بشراء بعض الكتب. كنت أنوي الذهاب للعبيكان، لكن صادفتني في الطريق مكتبة جريرٍ فقررت الذهاب إليها، خصوصًا أن علاقتي معها دخلها الجفاف منذُ فترة. فهي كانت مكتبتي المحببة. لكن في أحد الأيام دخلت مكتبة العبيكان صدفةً فهالني تنوع وكثّرة الكتب فيها، ومن بعدها أصبحت من مريديّ العبيكان.

***

هل هذه مذكراتٌ يومية؟ ربما. لكن ألم تفتح مدونةً من أجل مثل هذه الأشياء؟ أجل، لكن لا أجد الرغبةَ في الكتابة فيها. كما أني أكره كتابة اليوميات. أنما أريد أياميَّ أن تذهب للنسيان.

***

كانت المكتبة مكتظةً بالناس على أختلاف مشاربهم. أتجهت مباشرةً للدور الثاني الذي يحوي على الكتب. شرعت في التنقيب والبحث العشوائي، بادئًا بما صادفتهُ في طريقي. الكثير من البحث والتحريّ أنتهاء بخمس كتب: السجينة (مليكة أفقير)، حكاية سحّارة (عبد الله الغذامي)، أسماء مستعارة،الباب المفتوح (عبد الرحمن منيف)، عبد الرحمن منيف والعرق (ماهر جرّار). كان نباءً سارًّا وجود مؤلفاتٍ لمنيف. أخذت ما وجدتهُ لمنيفٍ دون تفكير.

هذه المرّةَ فقط خمس كتب. يبدو عددًا ضئيلًا بالنسبة لي. لكني أردت أن أخفف من إدمان شراء الكتب الشره مقابل القراءة الضعيفةِ بالتدريج.

خرجت من المكتبة قُبيّل الإغلاق بقليلٍ لصلاة المغرب. لم أكن قد أكلت أيَّ شيءٍ منذ استيقاظي. قفلت راجعًا للاستراحة التي تقع قريبًا من استاد الملك فهد. من المفترض أن أقضي في الطريق ربع ساعةٍ بالكثير، لكن الذي حصل أني لم أصل للاستراحةِ ألا بعد صلاة العشاء. ويدل هذا على معرفتي الواسعة بشوارع الرياض التي أحبها جدًّا. قلت أني لم أكن قد أكلت شيئًا منذ أستيقاظي لذلك مررت على "ماكدونالدز". وطلبت "بيغ ماك". سألني العامل هناك، أن كنت أريدهُ صغيرًا أم كبيرًا، قلت لهُ أريدهُ صغيرًا. لكنه قال لي أن هناك عرضًا يقتضي بأن يعطى كأسًا زجاجي لمن يشتري وجبةً بحجمٍ كبير. هززت رأسي بلا مبالاة، مفيدًا الإيجاب.

عدت بعدها إلى الاستراحة. صليت ما فاتني من الصلوات (العصر، المغرب، العشاء). قلبت قنوات التلفاز أثناء أكليّ، وحين إنتهيت، أنتقيت أحد الكتب وبدأت بقراءته. كان كتاب الغذامي (سحّارة).

قرابت الحادي عشرةَ والنصف، أتصل أخي الأصغر بي طالبًا مني أن أعيده للاستراحة. كان منزل خالتي قرب جامعة الملك سعود. ذهبت إلى هناك عن طريق الملك عبد الله الكئيب هذه الأيام.

***

الملاحظ بأنه كان يومًا عاديًا. لكن، حقًا، بأي حالٍ عاد هذا اليوم؟

***

في مثل هذه الفترة العام الفارط، كتبت تدوينةً تسببت بعزوف نصف متابعيَّ عن المدونة، أو على الأقل تسببت بتوقفهم عن التعليق فيها. قلت في مقدمتها "كما جرت العادة على ذكر الإنجازات التي قام بها الشخص في السنة الماضية من حياته". كنت أقصد أن ما سأذكرهُ فيها هو إنجازاتٌ قمت بها. الآن ما هي الإنجازات التي قمت بها في السنة الماضية؟

***

من طرائف الأعراب أنهم يسمون السنة عامًا إن كانت تفيض بالخيرات، ويسمونها سنةً إن كانت قحطًا.

***

ما مرّ سابقًا، هو تدوينة أتت من اللا مكان؛ فلم يكن مخططًا لها، ولا حتى قبل دقائقٍ من كتابتها. إنما وجدت نفسي أذهب دون وعيٍ مني إلى "إضافة موضوعٍ جديد". وهذا يوضح الطبيعة المزاجية لدي. وهي التي أتهمها بهذا التقصير والإقلال. كنت سابقًا أتجاوزها بالكتابة فور استيقاظي من النوم، وكأني أحاول أن أسبقها - طبيعتي المزاجية - بخطوة. أن أبدأ بالكتابة قبل أن تستيقظ.

13 يونيو، 2009

طبقات المدونين

أستعراض لبعض من عرفت من المدونين، من حيث طريقة تعرفي عليهم، ورأيي فيهم، ومقدار التأثير الذي كان لهم عليّ..

تنبيه:
الموضوع أدناه قد يحوي على أراء صريحة قد لا تحوز على رضى المجاملين وأصحاب الابتسامات الصفراء، الذين لم يعتادوا على التعبير عن أرائهم خوفًا أو خجلًا من المجتمع. وهذه التدوينة محاولة لهدم هذا العازل الذي يفصل بين شخصيتنا الحقيقية وشخصيتنا الافتراضية، ومحاولة للمزج بين هاتين الشخصيتين، حتى نصبح ذاتًا واحدةً لا ذواتًا متشرذمة.

مدخل
قبل تعرفيّ على التدوين، كنت كما الجميع متواجدًا في عالم المنتديات، بكل سيئاتها التي ما هي ألا انعكاس للشارع وما نعانيه فيه من كتمٍ للأفواه وتقييدٍ للحريات. فكأن الإنترنت عندما جاء لنا في صورة المنتديات، جاء منقوصًا لا كما خلق في وطنه الأم حرًا، يقدم صورةً حرة للفرد في تجلياتهِ دون أن يحدّها حدود رقابية أو اجتماعية، وخصوصًا "الأخ الأكبر".

إذن، حضر الإنترنت حضورًا مشوهًا منقوصًا. كانت ساحة طرح الآراء هي المنتديات التي كانت تحكم وكأنها دولةٌ عربيةٌ مصغرة. وكان إنشاء موقعٍ يكلف المشاق ماديًا وتشغيليًا، إضافةً إلى أن الموقع بحاجة لدعم دعائي، كانت المنتديات تقدمها للكاتب ولا يستطيع هو أن يقوم بها بإمكاناته المحدودة. هنا يجب أن يوجد حل يسد هذا الفراغ، فيقدم منصات كتابة سهلة الإنشاء، تملك منهجية تشغيل يسيرة وقياسية تمكن الفرد العادي من تشغيلها واستخدامها دون أن يكون خبيرًا في التقنية، إضافةً إلى القدرة الدعاية والوصول التي كان يقدمها المنتدى. وكل هذا أريد منهُ الحرية الشخصية، والانعتاق من مقصات الرقباء. وفعلًا تحقق كل ذلك فيما يسمى "بالتدوين".

كلمة التدويّن تحمل نَفَسًا حضاريًّا بالنسبة لنا كعرب. فحضارتنا الفكرية بدأت أنطلاقًا من عصر التدويّن في القرن الثاني للهجرة. أصبح العرب غداة التدويّن أمةً مفكرةً متحضرةً بعدما كانوا أمة "الأميين". وكلمة تدويّن أرها أفضل تعريبٍ للفظة الإنكليزية "Blog". فكأنك عندما تقول "دونّت" تقصدُ حفظتُ الفكرة أو الخاطرة. فالكتابة والكتاب والورقة، آلةٌ للزمنِ تتخطى نواميس الطبيعة، لتدخل في عالم الخلود.

وأرى - في كثيرًا من التفاؤل، وربما اللاواقعية - أن التدوين المعاصر سيكون أثرهُ مشابهًا للتدوين القديم من حيث انتشالهُ الأمةَ من الانحطاط إلى الرفعة. والتدوين تكريسٌ لفكرة الحرية التي ترى الشعوب الراقية بأنها أهم من الخبز، ومهمتنا الآن أن نبشر المجتمع أن الحريةَ أهم من الرّز. وأن أممًا بلا حرية، أممٌ مخصيّة.

أهم المدونين في نجد والشرقية والحجاز وتهامة، أو ما يعرف بالدولة السعودية: أهميتهم قد لا تكون بالضرورة في تأثيرهم على الرأي العام - وإن كانوا كذلك - لكنها هنا منطلقة من رأيي الخاص.

مكتوم: هي مدونة شخصية، أو كما يصفها صحابها علاء "مدونة تعنى بالفنون من موسيقى وسينما وعمارة على وجه الخصوص، مع كثير من الانطباعات الشخصية التي تخصها وتخص الحياة".

علاء هو طالب في في الهندسة المعمارية، عرفتهُ منذ سنواتٍ عن طريق إحدى المنتديات المختصةِ بالأفلام، ألا أن هذه المعرفة كانت من طرفٍ واحد. فهو كان من رجالات المنتدى ومشرفيه، وأنا كنت عضوًا بسيطًا، يجلس في إحدى الزوايا صامتًا يستمع لنقاشات جهابذة السينما.

أهمية علاء بالنسبة لي أن مدونتهُ كانت أول مدونةٍ أرها على ما أذكر. ففي إحدى مواضيع ذلك المنتدى، وضع هو وصلةً لمدونته، وحين ذك لم أفهم ما معنى مدونة، فالذي فهمته أنهُ موقع شخصي. أو ما تبادر في ذهني "لماذا يقوم الشخص بوضع موقعٍ شخصيٍ له؟ أي أهميةٍ لنا نحن الأفراد حتى نقيم لنا موقعًا شخصيًا؟".

يعجبني في مدونته الأناقة والتنوع: من حيث التصنيفات ونوعية اختياره للموضوعات. إضافةً لتعدد مواهبه: فهو مصور وعازف وناقد سينمائي.. ولا أدري ماذا تخبئ الأيام من مواهبه.

أستطيع أن أقيم مدونته كمدونه شخصية مثالية.

باب الجنة: قد تكون هي المدونة الأهم في مدار التدوين المحلي، وصاحبتها هي سبب أتجاهي للتدوين بعدما ضقت ذرعًا بالمنتديات، وبعدما تتكرر تعديل مشاركاتي، وحذف موضوعاتي والذي أنتهى بطردي من إحداها.

لم أعرف هديل ألا أثناء مرضها. وقد عرفت ذلك عن طريق والدتي، التي أخبرتني بأن أكبر بنات محمد الحضيف في غيبوبه. لم أكن أعرف الحضيف أيضًا، وكانت معرفتي بمرض إبنته على أساس أن محمد الحضيف صديق زوج خالتي. لذا لم أهتم كثيرًا، لم أعلم بأنها مدونه أو كاتبه. أنما عرفته على أنها أبنة أحد المعارف وحسب.

تتميز مدونتها بنقد السائد الاجتماعي والثقافي.. وأحيانًا السياسي. وهي أنموذج للشابة المثقفة. لها تدوينات أصبحت دليلًا في عالم المدونات. كتدوينتها "أيّ بيدقٍ أنا"، التي تتحدث عن أننا كأفراد ومدونين، قد نكون جنودًا في معاركٍ لا دخل لنا بها، وهي من التدوينات التي أثرت في مساري شخصيًا؛ حيث وجدت أن هناك من يستغل كتاباتي لتدعيم مساره الفكري والذي لا أنتمي له وقد لا أوافق عليه. وكذلك تدوينة "(انشقاق) يدشن العهد الحر!" التي أحتفلت فيها بالإعلام الجديد خارج الأجندة المرسومة مسبقًا من جهاتٍ مختلفة.. مما يجدر بالذكر، أن هذه التدوينه كانت تدوينتها الأخيرة، فكأنها بشرت بهذا الإعلام على "باب الجنة"!.. رحمها الله.

فؤاد الفرحان: يسميه البعض "عميد التدويّن السعودي"، أما أنا فأسميه "عرّاب التدويّن السعودي". أظنهُ كان من أوائل المدونين السعوديين في مجال التدوين السياسي والاجتماعي. تعرفت عليه عن طريق مدونة مكتوم، حين تحدث عنهُ حين أعتقاله في تدوينة بعنوان "اعتقال فؤاد الفرحان : انطباع شخصي وقراءة متأنية". حينها دخلت مدونته ولم أجد فيها ما يستحق بأن يعتقل من أجله، أي لم أجد أنهُ تطرق لمحظور. لم أفهم السبب ألا مؤخرًا: السلطات لا تقبض ألا على من يتحدث بعقلانية، ويهدف إلى الإصلاح حقًا. لأنهم يعلمون أن العاطفيين والمفسدين، لن يجدوا لدى الجماهير أي تأثيرٍ ألا لمامًا.

تشكل كتاباتهُ تطبيقًا لكتابات هديل، فهي تقول "أيَّ بيدقٍ أنا؟" وهو يقول "أنا لستُ بيدقًا إلا للحق".

يُعتقد بأن سبب أعتقاله هي تدوينته "أشهر عشرة شخصيات سعودية لا أحبها ولا أتمنى لقائها"، وإن كان هذا صحيحًا فأنهُ يؤكد ما توصلت إليه، من أن السلطات، لا تخشى ألا الشخص العقلاني والذي من الممكن أن يؤثر في العقلاء.

لو أمتلكنا أشخاصًا كُثر بشخصية وشجاعة وثقافة فؤاد، سنكون بخير.

أ.ل.م: تعرفت على عبد الله العتيبي عن طريق ردٍ له في إحدى المدونات. كان ردهُ ساخرًا بمراره، وقد أعجبني لدرجة أني قمت باقتباس الرد في مدونتي.

أشعر أنهُ يملك روحًا صوفية في تعامله مع الأشياء، دائمًا ما تجدهُ هادى في كتاباته مهما كان الموقف يستدعي الغضب، ودائمًا ما يعجبني في تأملاته وتملياته في الأشياء من حوله. ولو سألتي ما الذي ينقص من كتاباته، لقلت أنها المبالغةُ في التجريد، والتجريد ميزةٌ للفيلسوف لكنها مثلبةٌ لغيره خصوصًا في التعامل مع الحوادث السياسية والاجتماعية. وأنا أرى التجريد في الكتابة والتفكير، كالملح للطعام؛ حيث أن الإكثار يفسد والإقلال يفسد، والخير في الوسط.

ربما لو كنت بوذيًّا، لقلت بأنهُ شخصٌ في مرحلة "النيرفانا"، ولقلت كذلك بأنهُ عودةٌ أخرى لروح أفلاطون.

عصام الزامل: كان دائمًا ما يرد في مدونتي، لكنهُ لم يكن يضع رابطًا لمدونته، لذلك لم أتعرف عليها ألا متأخرًا نسبيًا.

حدثت بيننا الكثير من الصدامات المخملية - إن صح التعبير - لكن كنت وما زلت أحمل لهُ الكثير من التقدير.

عندما يتحدث في الاقتصاد فهو اقتصادي، وعندما يتحدث في الاجتماع فهو أجتماعي، وعندما يتحدث في السياسة فهو سياسي.. وهلم جرًّا. وهذا ما يسبب لي الكثير من الإرباك، وآية ذلك أني عندما أقرأ لهُ تدوينةً من التدوينات، أهرع لصفحة "عني" حتى أرى أختصاصه وإن كان لهُ علاقةٌ بما قرأتهُ له، فأجد كالعادة "هندسة كيميائية"، مما يثير فيَّ الاستغراب! وإن دلّ ذلك على شيء فأنهُ يدل على عقلٍ نظيف (كما يقول المصريين)، وعلى قدرةٍ عالية في البحث والاستنتاج.

عصام نموذج للشخص المُتثبْت الذي لا يرضى بالإشاعات والقيل والقال، والذي يذهب ليأتي بالمعلومة لا أن ينتظرها لتأتيه.

إبراهيم القحطاني: يعجبني فيه التلقائية والبساطة. يعلق في كل مكان، حتى أني لا أستغرب أن أجدهُ يعلق في مدونة بلغارية! حقًا، لو رأيت من هو أكثر من يعلق في مدونتي لكان هو.

كما قلت، تلقائيته وبساطته في التعبير، جعلت لهُ قاعدة من المحبين والمريدين. دائمًا متجاوب مع الأحداث، ويكون أول من يعلق عليها.

رجل مؤجل: ساخر، هكذا من الممكن أن يوصف. كانت أتخيله من كتاباته كشابٍ ملتحي ويلبس العقال. مقاربة الملتحي مع العقال، تعني أنهُ محافظ لكنهُ مع ميل للانفتاح. لكن صُدمت عندما شاهدت صورته، فلقد كانت معاكسة لأشد تصوراتي تطرفًا!

من سماته أنهُ قارئ نهم، لكني أحس بأنهُ يحاول نسخ أسلوب شخصٍ في باله، لا أدري من هو هذا الشخص، لكني أعرف بأنهُ - أي إبراهيم - ليس بحاجة لذلك.

قرار أعتزاله التدوين جاء مستغربًا من الجميع، لكن باعتقادي أن التدوين كان بالنسبة لهُ مرحلة طارئه، أي أن مدونته هذه كانت لحاجةٍ في نفسه قضاها، فلم يعد بحاجةٍ لها.



08 يونيو، 2009

منابر اليباب..

إن القوانين تعاقب من تناول المخدارات مرة في خفيةٍ وحذر، ولكنها تخدر الآلاف، بل مئات الآلاف، بل مئات الملايين في المساجد والجمعيات كل أسبوع بل كل يومٍ أحيانًا، ثم تحثُ هؤلاء المخدرين على أن يخدروا، بل تجازيهم وتوظفهم وتقتطع لهم من أموال الدولة المكافآت الشهرية! وهذا بلا ريبٍ من أعجب مناقضات القوانين وأغربها!

لقد أريد أن تؤدي المنابر والمساجد أعظم المنافع للإنسانية فأدت شر ما يؤدى: أريد منها أن تحيي فأماتت، وأن تعز فأذلت، وأن تهدي فأضلت، وأن تبعث على العمل فبعثت على الكسل، وأن تمتدح الحياة فامتدحت الموت، وأن ترفع من شأن الجمال وتحببهُ إلى النفوس فرفعت من شأن الدمامة وحببتها إليها، وأن تملأ الرؤوس بالحقائق فملأتها بالأوهام، وأن تخلق شعوبًا متوثبةً فخلقت شعوبًا خاملةً عاجزةً - تنتظر وجودها وحياتها وحاجاتها من خارجها لا من نفسها، معلقةً أبصارها دائمًا بالسماء، منتظرةً أن تمطر عليها الذهب والفضة والسيادة والوجود والعز.. وكل ما يؤمل، ولا تنظر إلى نفسها وطبيعتها.. فأقبح بها من منابرٍ أشاعت الموت والدمار والظلام والجهل!
عبد الله القصيمي، هذه هي الأغلال.

24 مايو، 2009

السلطة الدينية في الإسلام

الذين يسمون أنفسهم "هيئة كبار العلماء" أحرار في أن يتسموا بهذا الاسم أو غيره. ولكن ليس لهم سلطان على أحد. ولا يملكون من أمر الناس شيئًا إلا في حدود الشريعة.
محمد قطب، شبهات حول الإسلام.

22 مايو، 2009

منيف يكتب مصير الدستوريين!

عمر الطريفي الذي درس القانون في استطنبول، وأقسم ألا يعود إلى العوالي إلا بعد زيارة إلى باريس، لكي يقضي أيامًا في بلد الحرية والعدالة والمساواة، وقد فعل، عاد في تلك الفترة المضطربة، وظل يبشر الناس أن الغد أفضل من اليوم، إلى أن وقعت معركة الطريفة الفاصلة، وما رافقها من كلمات كبيرة، إضافة إلى سيول الدماء، فالتحق، مضطرًا، بابن ماضي، وظل ابن ماضي حريصًا عليه ما دامت العوالي تعني لهُ شيئًا، ثم تخلى عنه وعن العوالي، فعاش ابن الطريفي خائبًا منتظرًا إلى أن جاءته الساعة التي اعتبرها مناسبة، هزيمة البداوة أمام الحضارة: ذهاب خزعل ومجيء فنر، خاصةً وأن فنر، قدّم وعدًا أكيدًا: الدستور، والدستور يحكم بين الجميع.

عاد الطريفي، عاد إلى أرضه ووطنه، بعد أن أكله الحنين، وامتلأ بآمال انتظرها طويلًا. الآن يبدأ الدستور، ويعرف كل مواطن ما لهُ وما عليه، هكذا قال فنر.

بدت لهُ الطريفة مسكينةً مسبيّة. وبدا لهُ الناس متعبين تائهين، لم يصدق ما رأته عيناه. هل يمكن لهذا العدد القليل من السنيين أن يغيّر الناس والأشياء بهذا المقدار؟ وإلى أين؟ إلى الوراء؟ أو الأسوأ؟ هل يعقل هذا وهل يصدقهُ أحد؟

كتم غيظهُ وقال للكثيرين: فنر أعطى كلمة: الدستور. لنصدق. الدستور أمر كبير ويجب أن تثقوا. إذا حصلنا على الدستور حصلنا على نصف الحقوق، أما النصف الثاني فإنهُ يحتاج إلى الجهد والعرق.. والعقل.

وظل ينتظر..

بعد أن مرّت سنوات قال لابن أخته الذي كان يستعد للسفر إلى باريس من أجل دراسة القانون:
- لو تفكر بداسة غير هذه الدراسة..
وحين أنفتحت عينا الشاب باستغراب، تابع عمر الطريفي:
- كلمة واحدة استنفدت عمري كله لكي أعرف معناها، وها أنا أغادر الدنيا دون أعرف: الدستور.
وابتسم بحزن وأضاف كأنهُ يكلم نفسه:
- لكن يلزم كم واحد من المجانين يتكلمون بلغة غير عادية، لا لكي يحققوا جنونهم، إنما ليفضحوا الآخرين الذين يقولون كلمات لا يعنونها.

زعم بعض الذين عرفوا عمر الطريفي أنهُ حين جاءته الوفاة، وقد حصل ذلك في عهد فنر، أنهُ كان يردد، أو يهذي، بكلمة واحدة: الدستور. الأمر الذي أغضب بعض رجال الدين فصرخ أحداهم: أذكر ربك يا ابن الحلال، واترك كلام الشيطان!


مدن الملح، ج٥ - بادية الظلمات، ص٢١٢-٢١٣.

17 مايو، 2009

من وحي الطفولة..

الكثير من ذكريات الطفولة عندما تمر بنا الآن فأننا نبتسم على مقدار سذاجتنا فيها، رغم أننا في ذلك الحين نعتقد بأننا بتصرفاتنا تلك أصبنا الحقيقة وعانقنا الحكمة. وهذا يجعلني أتسائل: أليس من الممكن أن تكون تصرفاتنا الحالية في المستقبل بالنسبة لنا محض حماقة؟

أذكر أني عندما كنت في صف أول ابتدائي، أني غششت في مادة الإملاء، لأني رأيت أحد زملائي في الصف واضعًا الورقة التي يملي علينا الأستاذ منها في درج طاولته، فظننت أنهُ يسترق النظر فيها، وهذا الظن تحول بعد التحليل العقلي في دماغيّ الفتي إلى استنتاجٍ يقول: هذه الهدف من الدرس، أن تنظر إلى الورقة دون أن يقبض عليك الأستاذ. وفعلًا، هذا الذي فعلته.. على أني لا أذكر ماذا حصل بعد ذلك. فهكذا ذكريات الطفولة، مجرد ومضاتٍ مضيئة في طريق الماضي المُظلم. ومهما حاولت استجلاب ما قبل هذا الضوء – الحدث – فأن النتيجة دائمًا خاسرةً وكأنك لم تعش غير هذه اللحظة التي مرت في مخيلتك، ومحاولتك التذكر كمحاولتك أن تتذكر كيف وأين كنت قبل أن تولد.

على أن عمل الذاكرة غريب المنهجيه، فتجدك تذكر أشياءً تافهةً حدثت أثناء حدثٍ جلل، وتنسى الحدث المهم وتتذكر أن أحدهم عطس أثناء حدوثه!

أتذكر أثناء دراستي في المدرسة الابتدائية أن أقيم حفل لأولياء الأمور، وكنت متواجدًا فيه. وأتذكر أنهُ أثناء الحفل كان هناك مجموعه من الحلويات والأطباق، وكانت نفسي تهفو لإحداها. وبينما أنا أنظر إليه، تقدم أحد المدرسين وتناول الطبق، ثم قام بمناداتي؛ أزداد خفقان قلبيّ، وتسألت "كيف أستطاع أن يدري بأني أريد من هذا الطبق؟ ولماذا أختارني من بين الجميع ليعطيني أنا؟ يبدوا بأنيّ مميزٌ جدًا! بل عبقري، لذا أراد أن يبين لي مقدار إعجابه" لكن أمرًا آخر طرأ في بالي "ربما لأن والدي يعمل في المدرسة، وأراد هذا المدرس أن يفي لزميله بتكريم أبنه" دارت الكثير من الخواطر والأفكار في طريقي لاستلام هذه الحلوى الشهية. وصلت إلى هذا المدرس، مددت يدي للطبق.. "وش تسوي؟!" هكذا أتى صوت المدرس. حينها مادت بيّ الأرض، فالرجل كان يريد مني أن أقوم بإدارة الطبق بين ولاة الأمور، وليس يقصد إكرامي! تحول وجهي إلى ألوان الضوء حين مروره بالمنشور، لكني داريت نفسي، وحملت شتاتي، تظاهرت بأني على ما يرام وقمت بالعمل المنوط بي. رغم أني في داخلي أصبحتُ يبابًا في مفازة، وصار فؤاديّ أكثر فراغًا من قلب أم موسى، وابيضّت عينيَّ بياض عيون يعقوب!

قد يستغرب البعض أن كل هذا يحدث لي رغم أنهُ موقفٌ عادي لهُ، لكن مردْ ذلك نفسيتي الفاقدة للأمان، والتي تتأثر من المواقف المحرجة، وتضيق بالنقد ضيق الحكومات العربية؛ لأني ثقتي مهزوزة كما هذه الحكومات التي لم تستمد شرعيتها من الناس، وإنما بسرقة الكراسي وإلصاق المؤخرات.

ألا أنَّ النسيان رحةٌ لولاها لشقينا طوال العمر، والنسيان مركب جامح صعب الترويض، وهو متوفرٌ عندما لا تبغيه، وغائبٌ عند الحاجة له؛ فعندما تريده في دراستك أو قراءتك وحفظك، فهو خارج الخدمة دائمًا أو كما يقولون "آفة العلم النسيان" أما عندما تتزلزل الأرض وتتفجر البراكين وتكون الأرض غير الأرض فهو لا يتردد عن الهجرةِ من دماغك، ولا يتردد أن يكون في النسيان.. وما أصعب أن يُنْسى النسيان!

يقول زكي مبارك "أحب أن أنسى، ولكن أين بائع النسيان؟.." ويقول منيف "النسيان أسهل طريقة للحياة" لكن أين بائع السلوى والنسيان؟ لو سألت هذا السؤال لأبي نواس لقال لك في الطلا والشراب، ولو سألت أبن تيمية لقال في السنة والكتاب.. ولقال المعري في الصحة والشباب، ولقال أبو العتاهية في التجهيز ليوم الحساب. وكلٌ يتخذ له طريقًا للنسيان، يؤدي به للراحة والاطمئنان..

عندما كنت في الابتدائية أيضًا، كنت في إحدى الحصص لا أحمل قلم رصاص، وكان الأستاذ معروفًا بحدته على التلاميذ ولا يتهاون بمثل هذه المسائل.. فحاولت أن أحتال بالكتابة بقلمٍ أسود، لكنهُ لاحظ ذلك، وسألني "ما هذا الذي في يدك؟" ودون أن ينتظر إجابةً، قام ليبطش بي.. بالطبع لا أذكر ماذا حصل حينها، وأشكر النسيان على ذلك.

أذكر أني قلت بأني لا أجدي في أن أكون مؤرخًا، لأني أشوه الأحداث بعقلي، بوعيٍ ودون وعيٍ، وما كتبته أعلاه ينطبق عليها هذا؛ ذلك أن الأحداث في خطوطها الرئيسيةِ صحيحةٌ لكن التفاصيل وليدة اللحظه؛ لذا ولا شك أن أغلب المرّويات التاريخية يعتريها ما يعتريها من زيادةٍ ونقصان من دون قصدٍ ولا إغراض، فكيف بما يتم تلفيقه وتأليفه وكيف بالرواية الصحيحةِ تمر على العديد من الأشخاص فتزيد وتنقص حسب عوامل الفهم والذهن - ويبدو أن موضوع التاريخ قد قتلتهُ هجاءً وذمًا، ألا أني لا أؤلام فالأمر يصيبني بالاكتئاب، لكن أعيد وأكرر أن الوسطية هي الحل، و "لا إفراط ولا تفريط".

صاحب المدونة

مروان الرشيد: شخص بسيط لا يملك مؤهل أكاديمي أو مهني. سائح على كوكب الأرض لم يرتضيّ الإقامة حتى الآن. هارب من كل شيء، حتى من نفسه ومستقبله. متقلّب لا يبقى على لونٍ واحد. يردد مع إيليا قوله "جئت لا أعلم، من أين، ولكني أتيت. ولقد أبصرتُ قُدّامي طريقًا فمشيت" يهز رأسهُ موافقًا لقول الخيام "لبست ثوب العيش لم أستشر، وحرت فيه بين شتى الفكر. وسوف أنضو الثوب عني، ولم أدرك لماذا جئت أين المقر". كان يكتب من أجل أن تتغير الأحوال.. فقط تتغير، ليس المهم أن تذهب للأفضل أم للأسوأ، لأن الجمود يغيضه، ولأنهُ يعلم أن الأمور ما إن تبدأ بالتحرك حتى تنصلح، حتى ولو كانت بدايتها سيئة. أما الآن، عندما ظنّ أنهُ زاد علمًا وثقافةً، فأنهُ لا يدري، والمصيبةُ أنهُ «يدري» بأنهُ «لا يدري»!

من هنا وهناك

رف الكتب:
مروان الرشيد's book recommendations, favorite quotes, book clubs, book trivia, book lists (read shelf)