أستعراض لبعض من عرفت من المدونين، من حيث طريقة تعرفي عليهم، ورأيي فيهم، ومقدار التأثير الذي كان لهم عليّ..

تنبيه:
الموضوع أدناه قد يحوي على أراء صريحة قد لا تحوز على رضى المجاملين وأصحاب الابتسامات الصفراء، الذين لم يعتادوا على التعبير عن أرائهم خوفًا أو خجلًا من المجتمع. وهذه التدوينة محاولة لهدم هذا العازل الذي يفصل بين شخصيتنا الحقيقية وشخصيتنا الافتراضية، ومحاولة للمزج بين هاتين الشخصيتين، حتى نصبح ذاتًا واحدةً لا ذواتًا متشرذمة.
مدخل
قبل تعرفيّ على التدوين، كنت كما الجميع متواجدًا في عالم المنتديات، بكل سيئاتها التي ما هي ألا انعكاس للشارع وما نعانيه فيه من كتمٍ للأفواه وتقييدٍ للحريات. فكأن الإنترنت عندما جاء لنا في صورة المنتديات، جاء منقوصًا لا كما خلق في وطنه الأم حرًا، يقدم صورةً حرة للفرد في تجلياتهِ دون أن يحدّها حدود رقابية أو اجتماعية، وخصوصًا "الأخ الأكبر".
إذن، حضر الإنترنت حضورًا مشوهًا منقوصًا. كانت ساحة طرح الآراء هي المنتديات التي كانت تحكم وكأنها دولةٌ عربيةٌ مصغرة. وكان إنشاء موقعٍ يكلف المشاق ماديًا وتشغيليًا، إضافةً إلى أن الموقع بحاجة لدعم دعائي، كانت المنتديات تقدمها للكاتب ولا يستطيع هو أن يقوم بها بإمكاناته المحدودة. هنا يجب أن يوجد حل يسد هذا الفراغ، فيقدم منصات كتابة سهلة الإنشاء، تملك منهجية تشغيل يسيرة وقياسية تمكن الفرد العادي من تشغيلها واستخدامها دون أن يكون خبيرًا في التقنية، إضافةً إلى القدرة الدعاية والوصول التي كان يقدمها المنتدى. وكل هذا أريد منهُ الحرية الشخصية، والانعتاق من مقصات الرقباء. وفعلًا تحقق كل ذلك فيما يسمى "بالتدوين".
كلمة التدويّن تحمل نَفَسًا حضاريًّا بالنسبة لنا كعرب. فحضارتنا الفكرية بدأت أنطلاقًا من عصر التدويّن في القرن الثاني للهجرة. أصبح العرب غداة التدويّن أمةً مفكرةً متحضرةً بعدما كانوا أمة "الأميين". وكلمة تدويّن أرها أفضل تعريبٍ للفظة الإنكليزية "Blog". فكأنك عندما تقول "دونّت" تقصدُ حفظتُ الفكرة أو الخاطرة. فالكتابة والكتاب والورقة، آلةٌ للزمنِ تتخطى نواميس الطبيعة، لتدخل في عالم الخلود.
وأرى - في كثيرًا من التفاؤل، وربما اللاواقعية - أن التدوين المعاصر سيكون أثرهُ مشابهًا للتدوين القديم من حيث انتشالهُ الأمةَ من الانحطاط إلى الرفعة. والتدوين تكريسٌ لفكرة الحرية التي ترى الشعوب الراقية بأنها أهم من الخبز، ومهمتنا الآن أن نبشر المجتمع أن الحريةَ أهم من الرّز. وأن أممًا بلا حرية، أممٌ مخصيّة.

أهم المدونين في نجد والشرقية والحجاز وتهامة، أو ما يعرف بالدولة السعودية: أهميتهم قد لا تكون بالضرورة في تأثيرهم على الرأي العام - وإن كانوا كذلك - لكنها هنا منطلقة من رأيي الخاص.

مكتوم: هي مدونة شخصية، أو كما يصفها صحابها علاء "مدونة تعنى بالفنون من موسيقى وسينما وعمارة على وجه الخصوص، مع كثير من الانطباعات الشخصية التي تخصها وتخص الحياة".
علاء هو طالب في في الهندسة المعمارية، عرفتهُ منذ سنواتٍ عن طريق إحدى المنتديات المختصةِ بالأفلام، ألا أن هذه المعرفة كانت من طرفٍ واحد. فهو كان من رجالات المنتدى ومشرفيه، وأنا كنت عضوًا بسيطًا، يجلس في إحدى الزوايا صامتًا يستمع لنقاشات جهابذة السينما.
أهمية علاء بالنسبة لي أن مدونتهُ كانت أول مدونةٍ أرها على ما أذكر. ففي إحدى مواضيع ذلك المنتدى، وضع هو وصلةً لمدونته، وحين ذك لم أفهم ما معنى مدونة، فالذي فهمته أنهُ موقع شخصي. أو ما تبادر في ذهني "لماذا يقوم الشخص بوضع موقعٍ شخصيٍ له؟ أي أهميةٍ لنا نحن الأفراد حتى نقيم لنا موقعًا شخصيًا؟".
يعجبني في مدونته الأناقة والتنوع: من حيث التصنيفات ونوعية اختياره للموضوعات. إضافةً لتعدد مواهبه: فهو مصور وعازف وناقد سينمائي.. ولا أدري ماذا تخبئ الأيام من مواهبه.
أستطيع أن أقيم مدونته كمدونه شخصية مثالية.

باب الجنة: قد تكون هي المدونة الأهم في مدار التدوين المحلي، وصاحبتها هي سبب أتجاهي للتدوين بعدما ضقت ذرعًا بالمنتديات، وبعدما تتكرر تعديل مشاركاتي، وحذف موضوعاتي والذي أنتهى بطردي من إحداها.
لم أعرف هديل ألا أثناء مرضها. وقد عرفت ذلك عن طريق والدتي، التي أخبرتني بأن أكبر بنات محمد الحضيف في غيبوبه. لم أكن أعرف الحضيف أيضًا، وكانت معرفتي بمرض إبنته على أساس أن محمد الحضيف صديق زوج خالتي. لذا لم أهتم كثيرًا، لم أعلم بأنها مدونه أو كاتبه. أنما عرفته على أنها أبنة أحد المعارف وحسب.
تتميز مدونتها بنقد السائد الاجتماعي والثقافي.. وأحيانًا السياسي. وهي أنموذج للشابة المثقفة. لها تدوينات أصبحت دليلًا في عالم المدونات. كتدوينتها "أيّ بيدقٍ أنا"، التي تتحدث عن أننا كأفراد ومدونين، قد نكون جنودًا في معاركٍ لا دخل لنا بها، وهي من التدوينات التي أثرت في مساري شخصيًا؛ حيث وجدت أن هناك من يستغل كتاباتي لتدعيم مساره الفكري والذي لا أنتمي له وقد لا أوافق عليه. وكذلك تدوينة "(انشقاق) يدشن العهد الحر!" التي أحتفلت فيها بالإعلام الجديد خارج الأجندة المرسومة مسبقًا من جهاتٍ مختلفة.. مما يجدر بالذكر، أن هذه التدوينه كانت تدوينتها الأخيرة، فكأنها بشرت بهذا الإعلام على "باب الجنة"!.. رحمها الله.

فؤاد الفرحان: يسميه البعض "عميد التدويّن السعودي"، أما أنا فأسميه "عرّاب التدويّن السعودي". أظنهُ كان من أوائل المدونين السعوديين في مجال التدوين السياسي والاجتماعي. تعرفت عليه عن طريق مدونة مكتوم، حين تحدث عنهُ حين أعتقاله في تدوينة بعنوان "اعتقال فؤاد الفرحان : انطباع شخصي وقراءة متأنية". حينها دخلت مدونته ولم أجد فيها ما يستحق بأن يعتقل من أجله، أي لم أجد أنهُ تطرق لمحظور. لم أفهم السبب ألا مؤخرًا: السلطات لا تقبض ألا على من يتحدث بعقلانية، ويهدف إلى الإصلاح حقًا. لأنهم يعلمون أن العاطفيين والمفسدين، لن يجدوا لدى الجماهير أي تأثيرٍ ألا لمامًا.
تشكل كتاباتهُ تطبيقًا لكتابات هديل، فهي تقول "أيَّ بيدقٍ أنا؟" وهو يقول "أنا لستُ بيدقًا إلا للحق".
يُعتقد بأن سبب أعتقاله هي تدوينته "أشهر عشرة شخصيات سعودية لا أحبها ولا أتمنى لقائها"، وإن كان هذا صحيحًا فأنهُ يؤكد ما توصلت إليه، من أن السلطات، لا تخشى ألا الشخص العقلاني والذي من الممكن أن يؤثر في العقلاء.
لو أمتلكنا أشخاصًا كُثر بشخصية وشجاعة وثقافة فؤاد، سنكون بخير.

أ.ل.م: تعرفت على عبد الله العتيبي عن طريق ردٍ له في إحدى المدونات. كان ردهُ ساخرًا بمراره، وقد أعجبني لدرجة أني قمت باقتباس الرد في مدونتي.
أشعر أنهُ يملك روحًا صوفية في تعامله مع الأشياء، دائمًا ما تجدهُ هادى في كتاباته مهما كان الموقف يستدعي الغضب، ودائمًا ما يعجبني في تأملاته وتملياته في الأشياء من حوله. ولو سألتي ما الذي ينقص من كتاباته، لقلت أنها المبالغةُ في التجريد، والتجريد ميزةٌ للفيلسوف لكنها مثلبةٌ لغيره خصوصًا في التعامل مع الحوادث السياسية والاجتماعية. وأنا أرى التجريد في الكتابة والتفكير، كالملح للطعام؛ حيث أن الإكثار يفسد والإقلال يفسد، والخير في الوسط.
ربما لو كنت بوذيًّا، لقلت بأنهُ شخصٌ في مرحلة "النيرفانا"، ولقلت كذلك بأنهُ عودةٌ أخرى لروح أفلاطون.

عصام الزامل: كان دائمًا ما يرد في مدونتي، لكنهُ لم يكن يضع رابطًا لمدونته، لذلك لم أتعرف عليها ألا متأخرًا نسبيًا.
حدثت بيننا الكثير من الصدامات المخملية - إن صح التعبير - لكن كنت وما زلت أحمل لهُ الكثير من التقدير.
عندما يتحدث في الاقتصاد فهو اقتصادي، وعندما يتحدث في الاجتماع فهو أجتماعي، وعندما يتحدث في السياسة فهو سياسي.. وهلم جرًّا. وهذا ما يسبب لي الكثير من الإرباك، وآية ذلك أني عندما أقرأ لهُ تدوينةً من التدوينات، أهرع لصفحة "عني" حتى أرى أختصاصه وإن كان لهُ علاقةٌ بما قرأتهُ له، فأجد كالعادة "هندسة كيميائية"، مما يثير فيَّ الاستغراب! وإن دلّ ذلك على شيء فأنهُ يدل على عقلٍ نظيف (كما يقول المصريين)، وعلى قدرةٍ عالية في البحث والاستنتاج.
عصام نموذج للشخص المُتثبْت الذي لا يرضى بالإشاعات والقيل والقال، والذي يذهب ليأتي بالمعلومة لا أن ينتظرها لتأتيه.

إبراهيم القحطاني: يعجبني فيه التلقائية والبساطة. يعلق في كل مكان، حتى أني لا أستغرب أن أجدهُ يعلق في مدونة بلغارية! حقًا، لو رأيت من هو أكثر من يعلق في مدونتي لكان هو.
كما قلت، تلقائيته وبساطته في التعبير، جعلت لهُ قاعدة من المحبين والمريدين. دائمًا متجاوب مع الأحداث، ويكون أول من يعلق عليها.

رجل مؤجل: ساخر، هكذا من الممكن أن يوصف. كانت أتخيله من كتاباته كشابٍ ملتحي ويلبس العقال. مقاربة الملتحي مع العقال، تعني أنهُ محافظ لكنهُ مع ميل للانفتاح. لكن صُدمت عندما شاهدت صورته، فلقد كانت معاكسة لأشد تصوراتي تطرفًا!
من سماته أنهُ قارئ نهم، لكني أحس بأنهُ يحاول نسخ أسلوب شخصٍ في باله، لا أدري من هو هذا الشخص، لكني أعرف بأنهُ - أي إبراهيم - ليس بحاجة لذلك.
قرار أعتزاله التدوين جاء مستغربًا من الجميع، لكن باعتقادي أن التدوين كان بالنسبة لهُ مرحلة طارئه، أي أن مدونته هذه كانت لحاجةٍ في نفسه قضاها، فلم يعد بحاجةٍ لها.